ابن الجوزي
185
صيد الخاطر
للحاضر الناظر لكفوا الأكف عن الخطايا ، والمتيقظون علموا قربه فحضرتهم المراقبة وكفتهم عن الانبساط . ولولا نوع تغطية على عين المراقبة الحقيقية لما انبسطت كف بأكل ، ولا قدرت عين على نظر . ومن هذا الجنس « انه ليغان على قلبي » ومتى تحققت المراقبة حصل الانس ، وانما يقع الانس بتحقيق الطاعة ، لأن المخالفة توجب الوحشة والموافقة مبسطة المستأنسين . فيا للذة عيش المستأنسين ، ويا خسارة المستوحشين . وليست الطاعة كما يظن أكثر الجهال أنها في مجرد الصلاة والصيام . انما الطاعة الموافقة بامتثال الأمر واجتناب النهي هذا هو الأصل والقاعدة الكلية . فكم من متعبد بعيد ، لأنه مضيع الأصل ، وهادم للقواعد بمخالفة الأمر أو ارتكاب النهي . وانما المحقق من أمسك ذؤابة ميزان المحاسبة للنفس فأدى ما عليه واجتنب ما نهي عنه فان رزق زيادة تنفل وإلا لم يضره والسلام . 141 - اللذات مشوبة بالنغص فعليك بدفع الأيام الدنيا في الجملة معبر . فينبغي للانسان أن لا ينافس بلذاتها وأن يعبر الأيام . فإنه لو تفكر في كيفية الذبائح ووسخ من يباشرها وعمل الكامخ « 1 » وغيرها من المأكولات ما طابت له ، ولو تفكر في جولان اللقمة مختلطة بالريق ما قدر على إساغتها ، فلا يخلو من حالتين : اما أن يريد التنعم باللذات المباحات ، أو يريد دفع الوقت بالضرورات . وأيهما طلب فلا ينبغي له أن يبحث فيما يناله عن باطنه ، فإنه لو نظر إلى عورة الزوجة نبا عنها ، وقد قالت عائشة رضي اللّه عنها : ما رأيته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولا رآه مني . فينبغي للعاقل أن يكون له وقت معلوم يأمر زوجته بالتصنع له فيه ، ثم يغمض عن التفتيش ليطيب له عيشه ! وينبغي لها أن تنفقد من نفسها هذا فلا تحضره الا على أحسن حال ، وبمثل
--> ( 1 ) الادام .